عبد القادر الجيلاني
111
سر الأسرار ومظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار
والمصائب في النفس والمال والأهل والأولاد فيتعظ بذلك ، فكأنه لم ينعم عليه قط وينسى ذلك النعيم وحلاوته وإن كان الغني قائما بالمال والجاه والعبيد والإماء والأمن من الأعداء فهو في حال النعماء كأن لا بلاء في الوجود ، كل ذلك لجهله بمولاه عزّ وجلّ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ [ هود : الآية 107 ] يبدل ، ويحلى ويمر ؛ ويغنى ويفقر ، ويرفع ويخفض ، ويعز ويذل ، ويحيي ويميت ، ويقدم ويؤخر . لما اطمأن إلى ما به من النعيم ، ولما اغتر به . ولما أيس من الفرج في حالة البلاء ، وبجهله أيضا بالدنيا اطمأن إليها وطلب بها صفاء لا يشوبه كدر ، ونسي أنها دار بلاء وتنغيص ، وتكاليف وتكدير وأن أصلها بلاء وطارفها نعماء فهي كشجرة الصبر أول ثمرتها مر وآخرها شهد حلو ، لا يصل المرء إلى حلاوتها حتى يتجرع مرارتها ، فلن يبلغ إلى الشهد إلا بالصبر على المر ، فمن صبر على بلائها حلي له نعيمها ، إنما يعطي الأجير أجره بعد عروق جبينه وتعب جسده وكرب روحه وضيق صدره وذهاب قوته وإذلال نفسه وكسر هواه في خدمة مخلوق مثله ، فلما تجرع هذه المرائر كلها أعقبت له طيب طعام وإدام وفاكهة ولباس وراحة وسرور ولو أقل قليل ، فالدنيا أولها مرة كالصحفة العليا من عسل في ظرف مشوبة بمرارة ، فلا يصل الآكل إلى قرار الظرف ويتناول الخالص منه إلا بعد تناول الصحفة العليا ، فإذا صبر العبد على أداء أوامر الرب عزّ وجلّ وانتهاء نواهيه ، والتسليم والتفويض فيما يجري به القدر ، وتجرع مرائر ذلك كله وتحمل أثقاله ، وخالف هواه وترك مراده . أعقبه اللّه عزّ وجلّ بذلك طيب العيش في آخر عمره والدلال والراحة والعزة ، ويتولاه ويغذيه كما يغذى الطفل الرضيع من غير تكلف منه وتحمل مؤنة وتبعة في الدنيا والأخرى كما يتلذذ آكل المر من الصحفة العليا من الغسل يأكله من قرار الظرف ، فينبغي للعبد المنعم عليه أن لا يأمن مكر اللّه عزّ وجلّ ، فيغتر بالنعمة ويقطع بدوامها ، ويغفل عن شكرها ويرخي قيدها بتركه لشكرها . قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « النعمة وحشية فقيدوها بالشكر » « 1 » فشكر نعمة المال الاعتراف بها للمنعم المتفضل وهو اللّه عزّ وجلّ والتحدث بها لنفسه في سائر الأحوال ورؤية فضله ومنته عزّ وجلّ وأن لا يتملك عليه ولا يتجاوز حده فيه ، ولا يترك أمره فيه ، ثم بأداء حقوقه من الزكاة والكفارة والنذر والصدقة وإغاثة الملهوف ، وافتقاد أرباب الحاجات وأهلها في الشدائد عند تقلب الأحوال وتبدل الحسنات بالسيئات ، أعني ساعات النعيم
--> ( 1 ) لم أقف عليه .